من الضروري جدا أن نهتم بنوعية الطعام الذي نتناوله، وايضاً لا يقل أهمية أن نهتم بكيفية تناول ذلك الطعام والطريقة التي يدخل بها إلى جسدنا.. أن نكون واعين على خياراتنا الغذائية وأيضاً على أنفسنا أثناء تناول ذلك الطعام.. للأسف تحول تناول الطعام إلى فعل ميكانيكي نتيجة عصر السرعة الذي نحيا فيه.. تربينا منذ طفولتنا على سرعة بلع الطعام، فالمضع يجعلنا نشعر بالشبع حتى عند تناول كمية أقل.. وهذا لا يلائم أفكار الأهل الذين يقيسون حجم معدة أطفالهم بحجم الصحن وليس برغبة الطفل..

أثبت العلم أن الطريقة التي نتناول بها الطعام لا تقل أهمية عن نوعيته.. هل نأكل بوعي وإدراك.. بتمهل وتأمل.. نستمتع بكل قضمة.. نمضغ جيداً.. أم نأكل لمجرد سد الجوع وملئ البطن؟

للأسف دخلت ثقافة عصر السرعة إلى جميع عاداتنا فأصبح لدينا وقت أقل لكل شيء.. لم يعد هنالك وقت للمضع.. وتحول ذلك إلى عادة من الصعب جدا تغييرها.. لكن لا بد من ذلك.. قد يساعدنا قبل أن نغير عاداتنا في تناول الطعام أن نراقب أنفسنا وأصدقاءنا قليلاً.. وربما نسجل ملاحظاتنا في مفكرتنا قبل البدء بالتغيير..

نبدأ من آداب المائدة.. وهنا لا نقصد بأي يد نمسك الشوكة والسكين، أو نضع الملعقة للأسفل أم للأعلى عند الانتهاء فهذه عادات بالية مثل أصحابها.. آداب المائدة هي أن نأكل بامتنان وحب.. أن نجلس بكل احترام لهذا الطعام فهو يمثل طاقة الحياة التي تستعد لتدخل إلى هذا المعبد.. نشكر ثم نبدأ بتناول الطعام مع المضغ الجيد لكل لقمة.. يمكننا البدء تدريجياً ونزيد عدد مرات المضغ شيئا فشيئا.. إن كنا نمضغ فقط 10 مرات في البداية نزيدها لل 20 ثم 40 ثم 50.. وإن أمكننا حتى 100 لكل لقمة.. نمارس المضغ الجيد أثناء وجبة أو اثنتين من وجبات النهار ثم نعمم التجربة على كل الوجبات.. أثناء ذلك الانتقال نسجل التغيير الذي نلاحظه على حياتنا في مذكرتنا ونقرأ الفرق من أسبوع لآخر..

عندما يتحول المضغ الجيد إلى عادة سنشعر باحساس مختلف تماماً عندما نعود ونتناول الطعام بسرعة.. سنشعر بالتعب والإعياء دون سبب.. فكلما مضغنا أكثر أصبحنا أكثر إدراكاً لحاجات جسدنا المتغيرة.. جميعنا نعيش حياة السرعة والعجلة لدرجة أننا لم نعد نهتم بأنفسنا وما نحب.. عبر المضغ الجيد سنبدأ بالاحساس بالهدوء والاسترخاء وسيمتد ذلك إلى كل أعمالنا وحياتنا..

قد يظن البعض أن لا وقت لذلك.. لكن فلنراقب الطبيعة قليلاً.. كل شيء له وجهان.. وجه نشط ووجه خامل.. شد ومد.. ذلك يضمن استمرار الحياة بتناغم وتوازن.. لذلك فالوقت الذي نخصصه لأنفسنا هو ليس ضياعا له.. بل إعادة شحن لأنفسنا وطاقتنا حتى نستمر بإبداع وإيجابية.. تماما مثل أي جهاز الجوال.. هل يمكنه العمل دون إعادة شحنه؟

يمكن إدخال عادة المضغ الجيد إلى وجبة واحدة في اليوم على الأقل وستبدأ التغييرات الايجابية بالحدوث.. فلنمنح أنفسنا تلك الفرصة.. أيضاً علينا الانتباه إلى ضرورة عدم الانشغال بأي عمل أثناء تناول الطعام.. فلا نشاهد التلفاز أو نقرأ كتاب أو نقود السيارة.. وقت الطعام هو وقت مقدس لتناول الطعام وعلينا احترامه.. ما يحدث أنه عندما نجلس في البداية لتناول الطعام ستبدأ الأفكار بالطيران وذلك سيسبب الازعاج.. لذلك نسارع بالهروب منها عبر إشغال أنفسنا بعمل آخر.. لكن ذلك لا يساعدنا أبدا بل يؤدي إلى زيادة المشكلة.. تجاهل الأفكار لا يزيلها بل يرميها في لاوعينا حيث تنشط وتمد جذوراً وأزهاراً.. وحدها المراقبة كفيلة بتقليل الأفكار وفهمها ثم توديعها.. لذلك علينا الإصغاء جيداً لما يأتينا من أفكار أثناء المضغ وتناول الطعام حتى نصل إلى نهاية مع المشاعر الحزينة ونبدأ رحلة التناغم مع أنفسنا والأكوان..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *